عبد اللطيف البغدادي

61

مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية

صارت مزرعة لبنى آدم بل إنها محصدة ومأدبة بلحومهم للطير والسباع . وإن أول من هلك على هذه الطريق أهل الحوف ( بلبيس ) إذ أن سكان وادى النيل قد نزعوا منه إلى الموصل وبغداد وخراسان وبلاد الروم والمغرب واليمن . وقد شاع أيضا بيع الأحرار حتى بيعت الجارية الحسناء بدراهم معدودة وباعت الأمهات بناتهن البكر ، وترامى النساء والولدان الحسان على الناس طالبين إليهم أن يشتروهم أو يبيعوهم ، فاتخذ البعض من بيع الأحرار متجرا واضمحلت الأخلاق « وتباهى بعضهم بأنه فض خمسين بكرا ، ومنهم من يقول سبعين كل ذلك بالكسرة » . وقد أعجب عبد اللطيف أن جماعة أثروا في هذه الظروف بالتجارة أو الإرث أو بدون سبب معروف ، وهذا إنما يذكرنا بأن ثراء الحرب ليس بظاهرة جديدة ، فقد شوهد عند الرومان واليونان وغيرهم في مثل هذه الظروف ، وفي كل زمان . ثم وصف البغدادي حال النيل فقال إن النهر جف في المقياس حتى أن جزيرة عظيمة ظهرت في وسطه بها آثار أبنية قديمة ، وأن الفيضان لم يدم إلا يوما واحدا ، فلم يمس إلا بعض البلاد وكأنّ طيف خياله زارها في الحلم ، ومع هذا فإن كثيرا من البلدان التي زارها الفيضان لم تزرع لهلاك أهلها فبارت . وقد ارتفع ثمن أردب القمح حتى وصل إلى خمسة دنانير والفول إلى ستة دنانير . ويتناول الفصل التالي حوادث سنة ثمان وتسعين وخمسمائة وهي السنة التالية للسنة السابقة ، وقد تحسنت الحال في هذه السنة لا لزوال الأسباب وإنما لقلة الباقين من الفقراء ، فتناقص أكل بني آدم حتى انقطع خبره وقلت السرقة لغناء الصعاليك وانحطت الأسعار لقلة الآكلين لا لكثرة المأكول . ومن أمثلة الضر الذي أصاب البلد أن مناسج الحصر التي كان عددها تسعمائة لم يبق منها إلا خمسة عشر ، وقس على ذلك كل الصناعات ، وارتفعت أثمان المأكولات واستغل البعض الظرف للإثراء السريع ، فقد ألهم - على سبيل المثال - مصرى أن يشترى